بنفسج

كيف إن كان المبتور.. قلبك؟

السبت 25 سبتمبر

إن استطعتَ شرحَ نفسِك حتى تَطيبَ، فاكتُب، قد تتعافى برثاء الحبيب كلما استفاض فيك الجهرُ بالحب، ولعلك تُشهر بالتدوينِ جزءً من النصوص العالقةِ خلف جدران الغرف، المعلقاتِ على جدران قلبك، تبوح بما استأثرتَ به من عُمُرك سنين، ليشهد الله أنك قد بلّغت، اللهم فاشهد، اِهرَع إلى الكتابة بنية الشفاء، وفي ذلك فاكتب. أما بعدُ فيا شهيدي: يشبهُني اليوم مولودٌ يحاكي أمَه ويعيدُ طباعها من غير أن تُحركَه دوافع اللّذة أو الخطر، يرقُب الجميع مشيته وضحكته وكَشرته، يُنصتون إلى خَطوِه في بدايات التحرر من الانكفاء، أما عقل الطفل فلا يُجيد إلا التمثيل.

هكذا عدتُ بالغياب جنينًا في بطن الحياة، كأنني لم أسارعُ في مناكبها باندفاع، ولم أتذوق حلاوة السعي في غضونها، في غيابك أعدتُ تعريف الأسماءِ في عقلي حتى صار "الموت" قنطرة الوصول إليك على الضفة العليا من الكون الذي يجاور الله، ولا يجاورنا، مؤخرًا، بطُل مفعول الموت في نفسي، فجائزة التقائنا خلالِه تُغريني، بل تعينني على أن أحققَ الذكرَ والشكرَ وحسنَ العبادة في جوف موتك الفاجع، تحسستُ النور رغبةً في الحياة، تجلّت لي آلاءُ الله وآياته، كي لا أحسِب الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا، ظننتُني لم أقرأها من قبل، خِفت النهيَ الصريحَ من الله "ولا تحسبنّ"، ثم أنهيتُ الآية أعلى صورتِك بصوتي "عند ربهم يُرزقون" أأبلغ من الرزق" دليلُ حياة الشهداء.

يا رفيقي لقد أزاح الموتُ أربعين عامًا عن كاهلِك، وصلتَ فيها قلبي، صدَقت الحديثَ، حمَلتَ الحبَ، وأعَنتني على نوائب الحق. عرّفني موتك على أهوال "الصدمة الأولى" حين رأيتُها بعيدة، ورآها الله قريبة، أدّبني رحيلك حين ادّخر الله دعوتي بأن يجمعنا على حبه "معًا"، ثم "معًا" يميتنا على الشهادة في سبيله. أيقنتُ باستشهادك أن الإجابة هي الخير الذي يريده الله لنا، لا الخير الذي نتمناه، ولا أبقى من خيرِ الله الذي ثبّتك بقدميكَ في حديقة الموتِ بعد معركة القدس، ليؤمِّن بك جيشًا من الغزاة بعدَكَ في يومٍ قررنا فيه أن نتجاهل آثار الحرب ونَخرج رغم الدمار سوياً لنحاول نسيان ما عشناه، لم يأتِ على خاطري أنّ ذلك اليوم هو مَطلع الحرب الجديدة التي سأخوضها من غيرك، حرب الفقد الأعظم، بل حرب الصبرِ على الصدمة الأولى.

يا عزيزي بكائي اليوم واجب، والنهي عنه في عُرف البلاء مكروه، تؤلمنا الساعاتُ التي نستيقظ فيها على جزئنا المفقود، نستبسل في جهادنا، لنصَدّق، فنزحفُ كالمخلّفين إلى معركة الصفر، ساعة البدء في انشطار الروح إلى قسمين، واشتعال الجرحٌ الحيٌ الذي يحِزّ صُلبَ الذاكرة ولا يهدأ، جرحٌ نخِرُّ به سُجدًا ويزيدُنا خشوعًا، جرحٌ سيَّرَني لأَتبَع نعشَكَ، وأضمَّ جسدَك الممزقِ المخبوءِ تحت الكفن، وأُقبّل جبينك بصمتٍ في محراب مسجدِنا القريبِ وأودُ أن لا أتركك.  أنت الجرح الذي أعادنا إلى حقيقة الحياة في سبيل الله، كي نحظى بما يشبه موتتك. في أحد المرات، نهرتني صديقةٌ محببة "لا تعاندي" في إشارة لأن أسمحَ لنفسي بالاعتياد، ليتكفل الزمن باستعادتي، كانت تعتقد بأنّ "الزمن كفيل"، ولا تدري كم تَعِزّ عليّ كفالتُه.

يُشعرني الوقت مع انقضائه بالحرمان، يبتعد التاريخ الأخير بتراكم الأيام فوقه، بينما أجاهد للاحتفاظ بآخرِ شارعٍ مررنا فيه، وآخر مكالمة قلتُ فيها "أحبك" يحرمني شبحُ الوقت من مذاق الصبح الأخير الذي خرجنا فيه إلى عملنا معًا، عن مشاكساتي، ومحاولاتي لألفتَ تركيزك، وأحظى بسماحتك، عن قهوتنا الحلوةِ بصوتك "قهوتك بردت".. . قهوتي تبردُ في كلّ يوم، وصرتُ أقنع برؤيا المنام بدلًا من احتضانك، أبكي كلّ آيةٍ ذُكر فيها وصفُك، أتحفّظ على كل أنشودةٍ في الحبّ عاجلتني بها لأتذوقها في يومها الأول، وفي كل عطرٍ أخبؤه من ريحك، يا مسك فايح. تسبقنا أعضاؤنا حين تُبتر إلى الجنة، قل لي بربك: كيف إن كان ذلك المبتور .. قلبك .. السلام عليك.