بنفسج

"حرموني إياه": حامد يا تفاحة عمري المسروقة

الثلاثاء 16 نوفمبر

كم تمنيت أن يكون هناك غولٌ يأخذ حق اليتامى ممن اضطهدهم، هذا الشيء بدأ حين سردت علينا جدتي حكاية ابنها اليتيم المكلومة به "حامد" تروي جدتي الحكاية بدمعٍ ساخن يجري على وجنتيها المتجعدتين فتقول "كنت ابنة 13 سنة حين أخذني والدي إلى القاضي، كنت أظن أننا خارجون في نزهةٍ كالمعتاد، ربما إلى الحقول لقطف البرتقال، أو إلى السوق لابتياع القليل من الحلوى المحلية المصنوعة بأيدي نساء القرية، ولكني فوجئت أني أجلس أمام القاضي وشيخ القرية، خفت كثيرًا وأصبح لوني شاحبًا، هل علموا أني كنت مع صديقاتي أسرق التفاح من حقل الجار ولكني صغيرةٌ جاهلةٌ بالأحكام، ولكن المفاجأة كانت أكبر حين فُتح الباب، ودخل رجل عشرينيٌ مع أبيه، وجلس بالقرب مني وشيخ القرية يقف مقابلنا.

| لا أريد الزواج

حامد1.png

أنت يا حليمة بنت حسن هل تقبلين بإسماعيل بن محمد زوجًا لك؟ أصابني الوجوم وارتسمت على وجهي علامات البلاهة، فقلت بكل براءة: لا، أنا لا أريد الزواج.. أريد أن ألعب في الحقل، وأركض عند حافة المجرى. حالة سكوت وصمت أصابت الجميع، نكزني والدي بخفية في ظهري، فأدرت وجهي وقلت: يا سيدي القاضي، أنا صغيرة ومالي بالزواج حاجة، يرضيك أتجوز وأنا طفلة. وخرجت أركض لا ألوي على شيء، حتى وصلت إلى بيتنا الطيني، اختبأت في حضن أمي: أمي أنا لا أريد الزواج، لا زلت صغيرة. دفعتني أمي بعيدًا وبقوة وهي تصرخ: ستتزوجين قسرًا، تظنين نفسك طفلة صغيرة، سيكون لك بيت، وزوج وترزقين بالأولاد.

أخذت أبكي، وأنوح بمأساة وتراجيديا عالية المستوى، قطع أبي هذا المشهد، كان يزمجر كالريح العاصفة، يبرق ويرعد، تصلبت مكاني حين رأيت الخيزرانة في يده، عصاةٌ لا تضرب بها حتى المواشي، أتاني الضرب من كل حدبٍ وصوب، كل هذا وأنا أصرخ وأستنجد، تهمتي أني فضحته في القرية أمام المعارف والجيران، نمت كالذبيحة كأني لن أستيقظ أبدًا، بعد يومين حين بدأت جراحي تلتئم أخذني أبي مجددًا إلى القاضي، حين وصلت قلت له: بعرضك يا سيدي الشيخ جوزني أنا بدي أتجوز، لم يتمالك الجميع نفسهم وضحكوا حتى دمعت أعينهم.

كان إسماعيل أطيب رجل شاهدته في حياتي، حتى أنه أفضل من أبي.. كان طيبًا حنونًا، رقيقَ المعاملة، لا ينهرني ولا يصرخ علي، كنت أخاف من هذه السعادة أخاف أن يحصل شيء، مضت الشهور سريعًا، لأسمع صرخة طفلي الصغير "حامد" كم كانت أيامًا جميلة، أصبحت وإسماعيل وحامد لوحة عائلية صغيرة سعيدة.

عُقدَ قراني، ولبست الثوب الأبيض وأنا لا أعرف ما أصابني، أصبحت امرأة متزوجة حاملة بطفلها الأول، أستيقظ في الصباح لأعد الفطور، وأغسل الثياب، وأعد الغداء وأشاهد الأطفال يلعبون في الكروم، حياةٌ روتينية، كل يوم يشبه اليوم الذي قبله، يخرجُ إسماعيل للعمل، ويعود في المساء ليجلس معي وعائلته، كان إسماعيل أطيب رجل شاهدته في حياتي، حتى أنه أفضل من أبي؛ كان طيبًا حنونًا، رقيقَ المعاملة لا ينهرني ولا يصرخ علي، كنت أخاف من هذه السعادة أخاف أن يحصل شيء، مضت الشهور سريعًا، لأسمع صرخة طفلي الصغير "حامد" كم كانت أياماً جميلة، أصبحت وإسماعيل وحامد لوحة عائلية صغيرة سعيدة، آه، ولكن كيف للسعادة أن تدوم، كان مايو/أيار، شهر النكبات كلها دخل اليهود البلاد عنوة وسرقوها وخرجنا من بلادنا مطرودين تلاحقنا خيانة العرب.

استقررنا في "غزة الرملية" وأنشأنا بيوتًا إسمنتية بعدما سكنا الخيام وسكنتنا، شهورٌ مرت علينا نعاني برد الشتاء وحر الصيف، نقتاتُ من المعونات الغذائية التي تقدم لنا، كفيلة بإبقائنا على قيد الحياة بشكلٍ مشروط! الحزن والأسى اعتصرنا بلادنا نهبت وسرقت أصبحت مرتعاً للخنازير والقردة (اليهود). في صبيحة يوم الإثنين أخبرني إسماعيل أنه يود العودة لقريتنا؛ ليأخذ غرضًا مهمًا قد نسيه (ورقة الطابو) التي تثبت ملكيتنا لبيتنا وأراضينا المنهوبة، كان يشعر أن المدة ستطول ولكنه كان مؤمنًا أننا سنعود كما أنا مؤمنة اليوم.

مرت ساعاتٌ طويلة على خروج إسماعيل، مضى النهار كله، وأخيرًا عاد إسماعيل.. عاد محمولاً على الأكتاف، يحفه الرجال من كل جانب، من أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله، لغمٌ زرعته أيدي الأعداء كان كفيلًا بانتزاع روحه، وتناثر أجزاء من جسده الطاهر، فقط تبقى وجهه الوضّاء، ذهب إسماعيل، وأصبحت أرملةً لطفلٍ في السادسة من عمره.

أيام الحزن طويلة، طويلةٌ جدًا، عدت لبيت أبي بطفليّ، لا أعلم كم كان عمري ولكني كنت شابة صغيرة، أهل إسماعيل أرادوني قبل ابنه امرأة شابة جميلة، رفضت الزواج ولكني تزوجت لاجئًا آخر من قريةٍ أخرى "جابر" هو الزوج الثاني أٌبٌ لثلاث بنات مع زوجةٍ ضخمة الجسد طويلة القامة، عريضة المنكبين. كنت في عمر بناتها، وهذا أسوأ شيء أصابني بعد استشهاد إسماعيل، وبعدما أخذت عائلة إسماعيل ابني مني، بحجة أنه ذكرى ابنهم المرحوم، والحقيقة أنهم لم يحبوا إسماعيل يومًا، سرقوا حامد مني رغبة في الثأر لرفضي إياهم، بكيت كثيرًا وركضت حافيةً وراء حبيبي وطفلي حامد، ولكنهم حرموني إياه.

| مات الولد

حامد2.png

كل يوم كنت أسرق ساعةً من النهار للالتقاء بحامد خفية في أحد الأزقة الخلفية، أعطيه كل ما وقعت عليه يدي، أقبله وأشمه لأدخر رائحته داخلي؛ تعينني على هذا البعد الظالم والحياة المرة، نبكي سويًا ويستخدم هو البكاء حجة لإخفاء الألم الذي يخلفه الضرب على جسده، كان أعمامه يضربونه كثيرًا، يتيم بلا أب. سرقت الحياة أباه وهم سرقوني منه، يغني لي بصوته الصدّاح، فيجتمع الناس ويصرخون مهللين له، فأشعر بالزهو والفخر وأدور بين الناس لأقول لهم: حامد ابني أنا، تفاحة عمري المسروقة، يحل الغروب فأهرول للبيت مسرعةً خوفًا من كيد ضرتي وبناتها.

بطني انتفخت وأصبحت في الشهر السابع، أهرب كل يومٍ إلى حامد، إلى أن أتى ذاك اليوم المشؤوم، كنت أتحضر لرؤية لصغيري وأعد له النقود التي ادخرتها ليشتري له حذاءً كأبناء المدينة، حاملةً في يدي ورق العنب الساخن، لم آبه بصراخ ضرتي المتصاعد، يجب أن أوصل الطعام ساخنًا لولدي، كنت أهم بالخروج لولا صوت الباب الذي كان يُطرق بشكل مجنون. حزنت كثيرًا ظننتهم اليهود جاؤوا للتفتيش ولإقامة الطوق (منع التجول)، ولكنها كانت أمي تلطم وجهها وتصرخ: ذهب حامد، يا حليمة حامد ذهب لحق أباه يا حليمة.

– وين راح، شو رجعو للبلاد، اليهود راح يقتلوا؟! أنا رايحة أرجعو ورح أضربو كمان.

– يا حليمة حامد مات، عمامو قتلوه..

الدنيا كلها توقفت.. عقارب الساعة تعطلت، لا يمكن للزمن أن يسير بلا حامد! سينتظره إلى أن يفتح عينيه، حامد ولدي.. حبيبي فلذة كبدي وقرة عيني، قوم يما.. قوم يا حبيبي، هي المصاري جبتهم لنشتري يما جزمة، وهي جبتلك ورق العنب كمان ساخن.. أخرجني الأطباء قوة وسحبًا خارج الغرفة، كان هناك رجلان من الشرطة، مرت الأيام سريعة.. أجلس بجوار قبر حامد صامتةً إلى أن تأتي أمي لترجعني إلى منزل زوجي، حتى في الحزن لا تأخذ المرأة حقها، يجب ألا تطيل الحزن أبدًا!!

دمع عيني جف ولم يجرِ بعد حامد إلى اليوم، خانتني عيناي أيضًا، توقفتا بعدك يا حامد. مات حامد بعدما تسمم جسده من الدم المتخثر من أثر الضرب، الشرطة هناك كانت تسأله قبل موته: من كان يضربك؟ كان خائفًا، فيقول إنه سقط عن الشجرة.. يظن أنه لن يموت.. يظن أنه سيعيش وسيضربه أعمامه مجددًا إذا تكلم وأنا ألجمتني أمي و وزوجي بقوة…

داهمني المخاض على غفلةٍ مني ووضعت طفلي الثاني بعدك يا حامد "صابر" هو أخوك الصغير، أسميته صابر لكي أتذوق من حلاوته كلما لوعتني الأيام بمرها، مرت سنواتٌ وأصبح لدي 5 بنات وولدان، وأصبحت أرملةً مجدداً توفي زوجي مبكرًا وأنا ما زلت شابةً صغيرة، أصبحت أخرج إلى السوق لأبيع تاركةً أبنائي عند الضرة المرة القاسية، تذيقني وإياهم من العذاب صنوفًا بعدما سرقت حق اليتامى، سمحت لنا بالبقاء؛ ليبقى لبناتها الثلاث إخوةٌ ذكور، لا يمكنهم المكوث إلا بمكوثي وبناتي معهم.

سنينٌ مرت أتذوق فيها أصنافًا من المذلة والعذاب، أحارب لأجل أبنائي وأتلقى الضرب والإهانة عنهم، أحارب بأظافري، لا إخوة لي ولا بيت أهل يعينوني، توفاهم الله جميعًا، شهورٌ أخرى مرت وضرتي المرة أصيبت بالمرض الخبيث، تنتظر وتعد الأيام إلى أن يداهمها الموت، تطلب مني وأبنائي العفو والسماح، كما طلبها أعمام حامد من قبل، وخاصةً عمه الذي أصبح مقعدًا لا يستطيع أن يحرك يديه ورأسه ليرتشف رشفةً من الماء، فأرفع رأسي إلى السماء أشكر الله على ما أعطاني ومنحني من صبرٍ وشكرٍ على الأذية والبلية، شاكرةً إياه على غولِ اليتامى الخفي الذي ينتزع حقهم من ظُلامهم. "إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ".